وهبة الزحيلي
9
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فملّة إبراهيم القائمة على التوحيد : هي شرعة القرآن التي دعا إليها محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهي الحقّ الذي لا مرية فيه ، كما قال تعالى : قُلْ : إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ الأنعام 6 / 161 ] ، وهو الذي أمره اللّه به صراحة ، كما جاء في آية أخرى : ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ النحل 16 / 123 ] . فقه الحياة أو الأحكام : إن شريعة القرآن واضحة لا لبس فيها ولا غموض ، وهي التي تلتقي مع الشرائع السابقة في أصول الحلال والحرام ، فلذا اتّفقت مع ملّة إبراهيم ومع ما كان مقررا من إباحة أنواع المطعومات كلها على بني إسرائيل ، إلا أمرين : الأول - ما حرّمه يعقوب ( إسرائيل ) على نفسه باجتهاد منه ، لا بإذن من اللّه تعالى ، على الصحيح ؛ لأن اللّه تعالى أضاف التّحريم إليه بقوله تعالى : . . إِلَّا ما حَرَّمَ . . ، وأنّ النّبي إذا أدّاه اجتهاده إلى شيء ، كان دينا يلزمنا اتّباعه ، لتقرير اللّه سبحانه إياه على ذلك . وقد حرّم نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم العسل على نفسه - على الرواية الصحيحة ، أو خادمه « 1 » مارية ، فلم يقرّ اللّه تحريمه ، ونزل في القرآن : لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [ التحريم 66 / 1 ] ، وهل عليه الكفارة بتحريم المباح ؟ رأيان لعلمائنا : أو حنيفة أجراه مجرى اليمين وجعله أصلا في تحريم كلّ مباح ، والشافعي : لم يوجب فيه الكفارة ، وجعله مخصوصا بموضع النّص . وأما سبب تحريم يعقوب لحوم الإبل فهو كما قال ابن عباس : « لما أصاب يعقوب عليه السلام عرق النّسا ، وصف الأطباء له أن يجتنب لحوم الإبل ، فحرّمها على نفسه ، فقالت اليهود : إنما نحرّم على أنفسنا لحوم الإبل ؛ لأن يعقوب حرّمها ، وأنزل اللّه تحريمها في التّوراة ؛ فأنزل اللّه هذه الآية :
--> ( 1 ) الخادم : الغلام أو الجارية .